السيد محمد تقي المدرسي
36
من هدى القرآن
بهذا الذي يخوفكم به محمد ، فيزعم أن النار تنبت الشجرة ، والنار تحرق الشجرة فأنزل الله سبحانه : إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ « 1 » . الثاني : وهو الأقرب ، أن الإنسان يأكل في الدنيا من هذه الشجرة ، ولكنه لا يشعر أنه يأكل منها إلا في الآخرة حيث يكشف الله عن بصره ، ويرى الحقائق بواقعها ، فالكذب ، وأكل أموال الناس ، وشرب الخمر ، . . كل ذلك ورق في شجرة الزقوم التي يطعم منها أهل النار . وفي سورة الواقعة التي تعالج جانبا من موضوع هذه السورة إشارة واضحة لهذا المعنى إذ يقول تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [ الواقعة : 51 - 55 ] . ثم يؤكد هذا المعنى في آخر السورة إذ يقول عز وجل مخاطبا المكذبين بالقرآن والضالين : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] . [ 63 ] ولا ريب أن الكذب وأكل أموال الناس وسائر الشهوات التي يواجهها الإنسان ، تجعله على مفترق الطريق ، بين الحق والباطل ، والجنة والنار ، وبالتالي فهو مبتلى وممتحن أمامها ، ولا شك أيضا أن هذه الأمور بشعة كبشاعة شجرة الزقوم التي هي التجلي الحقيقي لهذه المعاصي ، ولكن الإنسان يتجاهل ذلك ، أو يغفل عنه فينجرف مع شهواته ، ليزرع بذنوبه أشجار الزقوم فتكون طعامه في الآخرة . إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أما المؤمن فهو لا يفتتن بها ، إنما يرتفع بإيمانه عن حضيض المعصية ليزرع لنفسه بعمل الصالحات الجنان الواسعة . [ 64 ] وبعد الإشارة إلى شجرة الزقوم وطبيعتها الفاتنة في الدنيا ، يصوِّرها لنا القرآن بواقعها في الآخرة ، حيث الجزاء المتجانس وعمل الإنسان . إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ وقد روي : ( أن الله تعالى يجوعهم - يعني أهل النار - حتى ينسوا عذاب النار من شدة الجوع فيصرخون إلى مالك فيحملهم إلى تلك الشجرة وفيهم أبو جهل فيأكلون منها فتغلي بطونهم كغلي الحميم ) « 2 » . وفي رواية : ( إنها شجرة عظيمة لأهل النار عامة ، ولها في كل منزلة من الجحيم غصن يأكل منه الذين يعذبون فيها ) . [ 65 ] طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ والطلع حمل النخلة في بدايته ، يخرج من بين الليف والخضر ، وهو يشبه غمد الخنجر في أوله وأقربة السيوف قبل أن يتشقق عن شماريخ البسر
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 8 ، ص 574 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 257 .